المخابرات الإسرائيلية (4)
د. نبيل فاروق
وفيما يبدو أن محاولات الإسرائيليين، للتجسّس على الأمريكيين لا تنقطع، فلقد ذكر تقرير الـCIA عام 1979م، والذي مدح المخابرات الإسرائيلية أن "الشين بيت" حاولت اختراق القنصلية الأمريكية بالقدس من خلال موظف كتابي كان على علاقة بفتاة مقدسية، رتبت لتلفيق قضية إجهاض ضده في محاولة فاشلة لتجنيده، وقبل هذه المحاولة، كانت هناك أخرى فقد حاولوا جعل الفتاة الإسرائيلية تحصل على معلومات من صديقها…
وتحدث التقرير عن زرع الأسلاك والميكروفونات في المكاتب، وأماكن الإقامة الأمريكية في (إسرائيل)، هذا بالإضافة إلى محاولتين أو ثلاث؛ لتجنيد بحريين أمريكيين لقاء مقابل مادي بشكل فج....
وفي 1965م، اعترفت شركة المواد والمعدات النووية "لابولو"، للسلطات الفيدرالية الأمريكية، بعدم عثورها على 200 باوند من اليورانيوم عالي الخصوبة.. قدر الخبراء أنها كمية تصلح لصنع ستة أسلحة نووية على الأقل...
ولقد كشف المحققون دليلاً، على أن الشركة التي تعرف باسم NUMEC "نيوميك"، مملوكة لإسرائيلي، وأنها متورطة في الأمر كله. إحدى الحلقات الإسرائيلية لـ"نيوميك"، كانت ضابط المخابرات الإسرائيلي "رفائيل إميشان"، الذي أدار عملية "بولارد" من خلال "لاكام"، التي تم حلها ظاهرياً، بعد القبض على ذلك الأخير...
وفي مارس 1978م، تقابل "ستيفن د. برين"، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، مع مجموعة من المسئولين الإسرائيليين في مقهى بواشنطن. أفاد "مايكل سايا"، ممثل (الجمعية القومية للعرب الأمريكيين)، أنه -بالمصادفة- كان جالساً على المائدة المجاورة، ولقد أقسم فيما بعد، في شهادة خطية، أنه سمع "بري" يقول:
-"عندي وثائق البنتاجون عن القواعد، ويمكنكم رؤيتها في أي وقت"...
أفاد المحققون أنه كان يقصد تقريراً عن القواعد الموجودة في (المملكة العربية السعودية)...
ولقد أنكر "برين" أنه أمد الإسرائيليين بأية معلومات سرية، ولقد كان -وقت القبض على (بولارد)- يحتل منصب نائب وكيل وزارة الدفاع، وكان مشرفاً على تصدير تكنولوجيا الدفاع الأمريكية....
وعلى الرغم من كل ما سبق، تمتّعت (إسرائيل) -ولفترة طويلة- بتفاهم خاص مع المخابرات الأمريكية، قضى بحصول (إسرائيل) على كل ما تحتاجه للدفاع عن نفسها، وهذا يعني دخولاً روتينياً على الصور والبيانات الاستخبارية التي يتم الحصول عليها عن طريق (الأقمار الصناعية) الأمريكية، إلا أن هذه العلاقة اهتزت بشدة مرتين على الأقل، أولهما عندما فجَّرت (إسرائيل) بنجاح المفاعل النووي العراقي "أوسراك"، في 1981م (الذي كان يستعد لإنتاج أسلحة نووية)، وفي عام 1985م عندما سقط "بولارد" كجاسوس إسرائيلي...
تبعاً لما قاله الأدميرال "بوبي راي إينمان" نائب مدير المخابرات المركزية، إنه في وقت الغارة التي شنت على (العراق)، تمكنت (إسرائيل) من تفجير المفاعل، لأنها حصلت على استخبارات لم تتح لها تحت التفاهم السابق....
وفي 1994م فجر "إينمان" المفاجأة -وكان قد تخلى عن ترشيحه كوزير للدفاع- عندما قال: (لقد نظرت فى الخريطة على المسـافة بين (إسرائيل) و(بغداد)، وتساءلت كيف ومتى تمكنوا من الحصول على مادة الهدف؟)...
وقال أيضا إنه علم بحصول (إسرائيل)، ليس على معلومات عن (بغداد) فقط، بل عن (باكستان) و(ليبيا) أيضا، في غضون ستة أشهر سابقة على الضربة...
ولقد أمر "إينمان" بأن يكون الدخول الإسرائيلي على المعلومات، عن المناطق التي حول حدودها بـ250 ميلاً فقط، ولابد -بالإضافة إلى هذا- من وجود تصريح خاص للحصول على هذه المعلومات...
فيما بعد، أيَّد "ويليام ج. كيس" (مدير المخابرات المركزية) هذا القرار، دون أية تعديلات، وأمر بتنفيذه، كما أصدره "إينمان"....
وفي الوقت الذي انتقد فيه الكثيرون مساعدة (أمريكا) لـ(إسرائيل)، باعتبارها صفقة من طرف واحد، كانت (جماعة المخابرات) الأمريكية قد استفادت كثيراً من الإسرائيليين.. وبعض هذه الفوائد كان سياسياً، مثل خطاب "خروتشيف"، ولكن الأكثر كان عسكرياً...
فكل انتصار لـ(إسرائيل) على جيرانها العرب، كان يأتي بمحصول وفير من الأسلحة السوفيتية والمعدات الأخرى، وغالباً ما يكون أحدثها، فبعد خضوعها للفـحـص الدقيق من الإسـرائيلــيين، تذهب تقـاريرهم -وربما الأسلحة نفسها- إلى (الولايات المتحدة)...
هذا بالنسبة للنجاحات العسكرية...
أما على الجانب الآخر، فلابد وأن نعترف أن المخابرات الإسرائيلية قد حققت بعض النجاحات...
إلى حد ما..
*
من بين أكثر نجاحات المخابرات الإسرائيلية، غير العسكرية كان زرع الجاسوس (إلياهو كوهين) في أعلى مستويات المجتمع السوري، تحت اسم "كامل أمين ثابت"، ولكن العملية منيت بالفشل في النهاية، عندما تم كشف الجاسوس، ومحاكمته، وإعدامه..
أيضاً كانت عملية الحصول على مقاتلة من طراز (ميج-21) المتقدم، والتي طارت إلى (إسرائيل) في 1966م بواسطة (منشق) عراقي، حصلت عائلته على رحلة آمنة خارج (العراق)...
كانت هذه هي الضربات الموفقة في المقام الأوَّل.
إلا أن المخابرات الإسرائيلية منيت بفشل ذريع في بعض العمليات، ومنها الاختراق الذى حدث لها من قبل جواسيس مصريين وسوفيت...
في الثمانينيات، كتب "دان رافيف" و"يوسي ملمان" في كتابهما (كل جاسوس أمير Every Spy a Prince):
"لقد فقد المواطنون الإسرائيليون الكثير من ثقتهم في خدماتهم السرية، على الرغم من أنه من المفترض حصولهم على نوم هادئ؛ لأنهم تحت حماية الموساد والشين بيت وأمان. ولكنهم اهتزوا وانقلبوا؛ بسبب شكوكهم العميقة حول جماعة المخابرات.."..
ولقد ذكر مؤرخو وكالات المخابرات الإسرائيلية عن الجنرال "شلومو جازيت" الرئيس السابق للمخابرات الحربية: أن الاختراق قد بدأ ينساب، على المستويين العملي والاستشاري للخدمات الأمنية، في كل أجهزة المخابرات الإسرائيلية...
كل الطرق المعقدة، والعملاء الذين تستخدمهم (إسرائيل)؛ لجمع المعلومات عن الجيوش والأسلحة، وخطط تطويق الدول العربية، لم تكن ذات نفع كبير لـ(إسرائيل) في ضمان الأمن الداخلي، ضد أبطال الانتفاضة، الذين يحاولون اختراق الحدود الإسرائيلية... ولقد طـــورت الـ(شين بيت) تكتيكات وطرقا أخرى للتعامل مع هذا التهديد، إلا أن الأجزاء التي التهمتها (إسرائيل) بعد حرب 67 -باستثناء (سيناء)- خلقت واقعاً جغرافياً جديداً ومشاكل جديدة للأجهزة الأمنية...
وبخلاف المواطنين الإسرائيليين -اليهود والعرب- فإن العرب المقيمين في هذه الأقاليم، لا يُحدثون أي تأثير على إسرائيل، ولكن بعض الدول العربية تدعم الفلسطينيين في هذه المناطق، وبعضها أيضاً يدعم العمليات الباسلة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والبعض ضد (الولايات المتحدة) نفسها....
وبالمثل، فإن وكالات المخابرات تجد صعوبة في التصدي للإرهابيين من مواطنيهم، سواء المتدينين أو العلمانيين، وكما قال مسئول سابق من (الشين بيت):
"الجماعات المتطرفة اليهودية التي يحركها الدين، تكون مترابطة متماسكة أكثر من المتشددين العلمانيين"....
وبعد أن وقعت (إسرائيل) على اتفاقية السلام مع (منظمة التحرير الفلسطينية) PLO في سبتمبر 1993م، بدأت وكالات المخابرات الإسرائيلية في اكتشاف أن متطرفي اليمين كانوا ينفثون عن كراهيتهم للقادة الإسرائيليين، أكثر من الـ(PLO) (!)...
ولقد تحرّكت الـ(شين بيت) بالفعل، ضد بعض اليمينيين، إلا أن الخوف التقليدي (التدمير من اليسار) تغلب عليهم، فمعظم الموارد كانت مكرسة للعلمانيين، وليس للمتطرفين المتدينين...
كانت ذروة النقد العلني للمخابرات الإسرائيلية في نوفمبر 1995م، بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين" على يد متطرف ديني يهودي، وكانت الـ(شين بيت) هدفاً لمعظم الانتقادات، ولكن لعدم تعقب المتعصبين المضادين للحكومة، وعدم توفير الحماية اللازمة لرئيس الوزراء...
بعد اغتيال "رابين" في 4 نوفمبر 1995م مباشرة، تصاعدت نداءات بإعادة تنظيم وتوجيه الـ(شين بيت)، لذا فقد أصبح الأدميرال "آمى إيالون"، رئيس البحرية الإسرائيلية السابق، رئيساً للـ(شين بيت) في يناير 1996م، بدلاً من "إرمى جيلون"(*)، الذي تحمل المسئولية الكاملة لفشل الجهاز في منع اغتيال "رابين".. (كان رابين قد طلب من إيالون قبل ذلك تولي هذا المنصب)...
وكانت بداية عهد جديد..
وتاريخ جديد.
*